Hot Posts

6/recent/ticker-posts

الحركة النسوية في الجزائر: مسار النضال من التحرير الوطني إلى معركة التشريع المدني

 

الحركة النسوية في الجزائر: مسار النضال من التحرير الوطني إلى معركة التشريع المدني



القسم الأول: الإطار المفاهيمي والجذور التاريخية للحركة النسوية في الجزائر


تتمتع الحركة النسوية في الجزائر بسياق تاريخي فريد يختلف عن نشأة الحركات المماثلة في الغرب، حيث تداخلت قضايا التحرر الاجتماعي مع النضال ضد الاستعمار. من الناحية المنهجية، يرى التحليل الاجتماعي ضرورة التفريق بين مصطلح "الحركة النسائية"، الذي عادة ما يطالب برفع الغبن والظلم عن النساء ضمن الأطر الاجتماعية القائمة، ومصطلح "النسوية"، الذي يتطور ليصبح نظرية معرفية وفلسفية قد تتسلح بالقوة السياسية وتتخذ أحياناً طابعاً إقصائياً.1 في السياق الجزائري، ارتبط النضال المبكر بشكل أساسي بالجانب الحركي والاجتماعي ضمن إطار وطني شامل.


بدايات الوعي النسائي وتأثير العوامل الثقافية والاجتماعية


تعود بدايات الوعي النسائي إلى فترة ما بين الحربين العالميتين، حيث لم يكن هذا الوعي منفصلاً عن حركة الإصلاح الوطنية التي رأت في تعليم المرأة المدخل الأساسي لنهضة المجتمع ومقاومة محاولات الاستعمار الفرنسي لمسخ الهوية الثقافية والدينية. كانت المرأة الجزائرية تواجه تحديات مزدوجة من إدارة الاحتلال الفرنسي والنظرة التقليدية للمجتمعات المحلية في تلك الفترة.2

شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ظهور أولى التنظيمات التي ركزت على تعليم المرأة وتثقيفها. ومن أبرز هذه النماذج جمعية الكمال "الفتاة المسلمة" التي تأسست في مدينة الجزائر. لعبت هذه الجمعية دوراً معتبراً في تنشيط الحياة الثقافية والاجتماعية، حيث كان قانونها الأساسي يظهر اهتماماً كبيراً بمسألة تعليم وتثقيف البنات الجزائريات.2 إن تركيز هذه الجمعيات على التعليم يوضح أن النشأة الأولى للحركة النسائية الجزائرية كانت ذات طابع مزدوج: تعليمي وثقافي لمقاومة النظرة التقليدية، ووطني وسياسي لمقاومة الهيمنة الفرنسية. هذا المزج المبكر أدى إلى دمج الوعي النسائي في الوعي الوطني، مما جعل القضية النسائية تابعة للأولوية الكبرى المتمثلة في التحرر من الاحتلال.


القسم الثاني: دور الحركة النسوية خلال فترة الاستعمار الفرنسي


شكلت حرب التحرير (1954-1962) نقطة تحول جذرية في مكانة المرأة، حيث برز دورها كشريك أساسي في النضال الوطني، مما وفر لها شرعية تاريخية غير قابلة للإنكار.


مشاركة النساء في مقاومة الاستعمار والأدوار الحساسة


انخرطت أغلبية النساء المسلمات بنشاط في صفوف جبهة التحرير الوطني.3 كانت مشاركة المرأة إبان الثورة التحريرية شاملة وعميقة، حيث أوكلت إليها مهام حساسة للغاية في الفترة ما بين 1956 و 1962.4 شملت هذه الأدوار:

  1. العمليات الفدائية: صنع العبوات والألغام ومختلف المتفجرات، وزرع القنابل، واستدراج جنود العدو إلى كمائن جيش التحرير الوطني.4

  2. الدعم اللوجستي والرعاية: إعداد الأدوية ومعالجة الجنود الجرحى، وخياطة الملابس العسكرية والأعلام.4

  3. المشاركة السياسية والإعلامية: كتابة التقارير السرية والمنشورات الحربية.4

وكان هناك دليل واضح على الوعي الوطني العميق والناضج، حيث تطوعت الطالبات في جيش التحرير بعد إضراب 6 مايو 1956، وكانت أعمار المجاهدات تتراوح بين 16 عاماً فما فوق.4 هذه المشاركة الجذرية كسرت الحواجز التقليدية في المجتمع ومنحت النساء رصيداً اجتماعياً هائلاً.


التضحيات والرموز النسائية البارزة


تعرضت المناضلات الجزائريات لأبشع أشكال العنف والتعذيب على يد الاحتلال الفرنسي.5 وعلى الرغم من التضحيات، برزت أيقونات خالده للنضال الثوري. من أبرز هذه الرموز:

  • جميلة بوحيرد: التي أصبحت رمزاً عالمياً للنضال الثوري الجزائري.6

  • الشهيدة حسيبة بن بوعلي: إحدى أصغر أيقونات المقاومة ورمز التضحية.7

  • زهرة ظريف بيطاط: التي شاركت في حرب التحرير، وعملت لاحقاً كمحامية وشغلت منصب نائب رئيس مجلس الأمة.8

بالإضافة إلى المناضلات اللاتي حملن السلاح، كان هناك تكريم خاص لـ "خنساءات الثورة"، مثل بوضياف مسعودة وبليدة الزهرة، اللاتي قدمن شهداء متعددين من عائلاتهن في ميدان الشرف.9

تجدر الإشارة إلى أن طبيعة المطالب في هذه المرحلة كانت موجهة بالكامل نحو التحرر الوطني. وبسبب هذا الانصهار التام في كيان جبهة التحرير، تشير الدراسات إلى أن الحركة النسوية بمعناها الجندري لم تكن موجودة عند فجر الاستقلال.10 هذا الرصيد الثوري الهائل الذي اكتسبته المرأة كان يجب أن يترجم إلى حقوق فورية بعد الاستقلال، ولكن تم تسييسه وتجميده لاحقاً في الخطاب الوطني، مما أدى إلى تأجيل مناقشة المسألة النسائية لصالح أولوية بناء الدولة وضمان الاستقرار الاجتماعي ضمن هياكل محافظة.


القسم الثالث: الحركة النسوية بعد الاستقلال والتصادم التشريعي


شهدت فترة ما بعد الاستقلال مرحلة من الاحتواء السياسي للحركة النسائية ضمن نظام الحزب الواحد، مما أدى إلى تراجع المطالب الجندرية الصريحة.


فترة ما بعد الاستقلال وهيمنة الحزب الواحد


على الرغم من الدور المحوري الذي لعبته المرأة في التحرير، لم تكن "مسألة المرأة أولوية على الإطلاق" في الأجندة الوطنية بعد عام 1962.10 سيطر الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني) على الساحة السياسية والمدنية، وتم احتواء النشاط النسائي من خلال "الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات" التابع للحزب.11 هذه السيطرة منعت تشكيل حركات مستقلة ذات أجندة نسوية واضحة ومغايرة للخطاب الرسمي للدولة.


قانون الأسرة لعام 1984: التكريس القانوني للنظام الأبوي


كانت النكسة التشريعية الكبرى هي صدور قانون الأسرة في 9 يونيو 1984. يُعتبر هذا القانون، الذي مر عليه أربعون عاماً، بمثابة "ظلم تاريخي" كرس التمييز الجندري في المجال الخاص.12 وقد جاء هذا التشريع ليعكس تسوية سياسية بين الدولة والقوى المحافظة في سياق حكم الحزب الواحد.

لقد أخل هذا القانون بمبدأ المساواة الجندرية، مما حرم النساء من حقوقهن في المساحات الخاصة والعامة.12 ويتمثل التمييز القانوني في عدة مواد جوهرية، أبرزها:


قضية الحقوق المدنية

نص القانون (1984) وآثاره

الموقف/المطلب النسوي

الولاية في الزواج

اشتراط الولي (الرجل) لإتمام الزواج المدني للمرأة، حتى لو كانت تتمتع بالأهلية القانونية الكاملة.12

المطالبة بإلغاء اشتراط الولي والاعتراف بكامل الأهلية المدنية للمرأة.

الطلاق

يخول الرجل الحق في الطلاق دون إبداء أسباب، بينما يفرض شروطاً صارمة على المرأة الراغبة في الخلع أو التطليق.10

المطالبة بالمساواة الكاملة في إجراءات وشروط إنهاء العلاقة الزوجية.

الحضانة والولاية على الأطفال

لا يعترف القانون بولاية الأم على قدم المساواة مع الأب. وتسمح المادة 66 بإسقاط حضانة الأطفال عن الأم المطلقة إذا تزوجت مرة أخرى.12

المطالبة بولاية متساوية للأم والأب، ورفض المادة 66 التي تعد وسيلة للابتزاز الاجتماعي وإجبار النساء على البقاء في أوضاع عنيفة.12

تعدد الزوجات والميراث

ينظم القانون تعدد الزوجات، ويعزز اللامساواة في الميراث، مما يصعب على النساء الوصول إلى حقوق الملكية في غياب وريث ذكر.12

المطالبة بإلغاء التعدد أو تقييده بشدة، وتحقيق المساواة في الميراث.

يكشف التناقض بين الخطاب الوطني الذي يمجد المرأة الثورية، والقانون المدني الذي قيدها في المجال الخاص، عن سياسة واضحة: سمحت الدولة بتمكين المرأة في المجال العام (التعليم والعمل) لمتطلبات التنمية، لكنها حافظت على الهيكل الأبوي في المجال الخاص لضمان الاستقرار والدعم السياسي من القوى المحافظة.


نشأة الجمعيات النسوية المستقلة والنضال الذاتي


مع تزايد الإحباط من قانون الأسرة، بدأت النساء في محاولة خلق مساحات مستقلة للتعبير.10 وفي مايو 1985، تأسست أول جمعية نسوية مستقلة في الجزائر، وهي جمعية المساواة (Egalité)، على الرغم من أنها لم تُعتمد رسمياً إلا بعد سنوات في عام 1989.11

كانت أحداث أكتوبر 1988 والتحول نحو نظام التعددية الحزبية بموجب دستور 1989 (الذي ألغى نظام الحزب الواحد) بمثابة نقطة انطلاق للنضال النسوي المستقل. حيث نص دستور 1989 على إلغاء نظام الحزب الواحد وتأكيد المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات.11 أدى هذا الانفتاح السياسي إلى ظهور العديد من الجمعيات النسائية التي بدأت تسعى لتحقيق مكاسب للمرأة، متخذة أشكالاً متعددة من النضال السياسي.11


القسم الرابع: العشرية السوداء وتحديات الإسلاموية السياسية


شكلت سنوات العنف والإرهاب في التسعينيات، المعروفة باسم "العشرية السوداء"، تحدياً وجودياً للحركة النسوية الجزائرية، أجبرتها على التحول من النضال الجندري إلى النضال من أجل الحق في الحياة والديمقراطية.


تأثير الإرهاب والعنف على نشاط الحركة


أدى تصاعد الإرهاب بعد عام 1991 إلى عرقلة قوية لأنشطة منظمات المرأة، حيث طغى الحق في الحياة نفسه على المطالبة بالحقوق الأخرى.10

استهدف العنف الإسلامي النساء بشكل خاص في محاولة لفرض رؤية اجتماعية متطرفة، وشمل ذلك أشكالاً مروعة من الانتهاكات 10:

  • العدوان المباشر: شمل ذلك الاغتيالات (حيث قدرت إحدى الصحف مقتل حوالي 211 امرأة في عام واحد)، والاختطاف، والعدوان الجسدي، وحوادث حرق المنازل استناداً إلى اتهامات أخلاقية.10

  • الرقابة الاجتماعية المنظمة: تم تشكيل ميليشيات إسلامية لمراقبة الأخلاق في الأحياء والجامعات، وإجبار الطالبات على الالتزام بحظر التجول والتعرض للجلد إذا لم يمتثلن.10

  • العنف الجنسي الممنهج: كان الاغتصاب شكلًا رئيسيًا من أشكال العدوان. اختطفت النساء واعتبرن "غنائم حرب"، وتم إجبارهن على ما سُمي بـ "زواج المتعة" لـ "شرعنة" الاغتصاب، وهي ممارسة استهدفت أحياناً فتيات في سن المراهقة.10


استجابة الحركة النسوية وتحولها الديمقراطي


أدى هذا العنف إلى تباين في الاستجابة بين الجمعيات النسوية الوليدة. بعض التنظيمات، مثل جمعية المساواة (Egalité)، رفضت إدانة الإسلاموية بشكل كامل، واتهمت السلطات بتعميق أزمة المرأة من خلال تبني قانون الأسرة والسماح للإسلاميين باستخدام أجهزة الدولة لبث خطابهم المعادي للمرأة.10

في المقابل، حددت جمعيات أخرى مثل الدفاع والترقية، والتجمع من أجل النساء الديمقراطيات (RAFD)، الإسلاميين كعدو رئيسي للمرأة، ودعت الدولة لضمان الأمن وتحمل مسؤوليتها.10 برزت جمعية RAFD كصوت قوي، ونظمت فعاليات كبرى، مثل مسيرة 8 مارس و 22 مارس 1994، لرفض الإسلاموية والإرهاب والتعبير عن الحداد العام.10

على الرغم من التحديات والانقسامات، فقد أثبتت الحركة النسوية نفسها كـ "الحركة المدنية الأكثر تطلعًا للمستقبل" وعنصراً ضرورياً لبناء المستقبل الديمقراطي للجزائر.10 هذا النضال العنيف من أجل البقاء والحق في الديمقراطية منح الحركة شرعية جديدة تتجاوز المطالب الجندرية الضيقة لتشمل الدفاع عن قيم المجتمع المدني في مواجهة التطرف.


القسم الخامس: الإنجازات والمكاسب الراهنة (القرن 21)


شهدت الجزائر في السنوات الأخيرة مكاسب ملموسة في المجال العام، مدفوعة بالنضال المستمر والإرادة السياسية التي سعت لتعزيز مكانة المرأة دولياً.


المكاسب التعليمية والتمكين المعرفي


حققت الجزائر تقدماً كبيراً في تقليص الفجوة بين الجنسين في التعليم، حيث أصبحت النساء يشكلن نسبة كبيرة من خريجي الجامعات.13 ويُعد هذا التقدم حاسماً، حيث يمثل التعليم نقطة تحول أساسية لتعزيز التمكين الاقتصادي للمرأة وفتح فرص مشاركتها في سوق العمل.13 ووفقاً للبيانات المتاحة، فإن معدل الإلمام بالقراءة والكتابة بين الإناث البالغات (15 سنة فأكثر) وصل إلى 56.5%.14


المشاركة السياسية والتمثيل البرلماني


في مجال المشاركة السياسية، تمكنت المرأة الجزائرية من تحقيق مكاسب كمية كبيرة بفضل النضالات المستمرة ودعم الإرادة السياسية، مما وضع الجزائر في مرتبة "عالية جداً" في المنطقة العربية، وصنفتها ضمن الثلاثين دولة على مستوى العالم في مجال تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة.15

واعترافاً بهذه الإنجازات، مُنحت الجزائر جائزة "نساء في البرلمانات" من المنتدى العالمي للنساء في البرلمانات في مناسبات متعددة (مثل 2013 و 2015 و 2016).15 هذا التميز في المجال العام يعكس إصرار الدولة على تبني سياسات التمكين الكمّي، جزئياً للحصول على الاعتراف الدولي، ولكنه في الوقت نفسه يخلق مفارقة صارخة بين النجاح في المجالس المنتخبة والفشل في تحقيق المساواة في التشريعات الشخصية (قانون الأسرة).


القسم السادس: التحديات المعاصرة والفاعلون الرئيسيون


تستمر الحركة النسوية الجزائرية في مواجهة تحديات هيكلية وقانونية واجتماعية، بالرغم من المكاسب المحققة في المجال العام.


التحديات القانونية والتشريعية المستمرة


يبقى قانون الأسرة لعام 1984 نقطة الصراع المركزية، حيث لا يزال يكرس التمييز الجندري ويتناقض مع المبادئ الدستورية الجزائرية التي تضمن المساواة (المادتان 35 و 37) والحماية من العنف (المادة 40).12 تؤكد الجمعيات النسوية على أن هذا القانون ينتهك المبادئ التي تبنتها الدولة الجزائرية من خلال الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي وقعت عليها.12

ويشمل النضال التشريعي المعاصر المطالبة بإلغاء القوانين الذكورية التي تمنع المساواة في الولاية، وتسمح بتزويج القاصرات، وتتجاهل حقوق الأمهات العازبات وأطفالهن.12 كما تُعد قضية الميراث وحقوق الملكية تحدياً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً للنساء، خاصة في غياب وريث ذكر.12


التحديات الاقتصادية والاجتماعية


بالرغم من المكاسب التعليمية الهائلة، إلا أن الدراسات تشير إلى أن التعليم لا يضمن تحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين في سوق العمل.13 ويعود ذلك إلى تحديات ميدانية، أبرزها تحيز طلب السوق نحو المهن التي لا تتطلب مستوى عالٍ من التعليم، مما يحد من فرص التحاق المرأة المتعلمة بفرص عمل حقيقية تتناسب مع مؤهلاتها.13

ويعكس تفضيل النساء للعمل في القطاع العام (لأنه يرتبط بأمان وظيفي أعلى وبيئة أقل تمييزاً من القطاع الخاص) تحديات هيكلية قائمة في بيئة العمل العامة.13

إضافة إلى ذلك، تظل المرأة متأخرة في صفوف اتخاذ القرار والقيادة، خاصة داخل الأحزاب السياسية والمؤسسات العليا.16 العقلية السائدة ما زالت تقصي المرأة من المناصب القيادية، وهو ما يفسر عدم وصول المرأة الجزائرية إلى مرتبة "الوزير الأول" بعد، بالرغم من ترشح نساء لمنصب رئيس الجمهورية.16


الفاعلون والمنظمات النسائية الرئيسية


شهدت الحركة النسوية الجزائرية تنوعاً في الفاعلين، خاصة بعد التعددية في 1989. من أبرز هذه المنظمات:

  1. جمعية المساواة (Egalité): التي بدأت النضال المستقل في منتصف الثمانينيات.10

  2. التجمع من أجل النساء الديمقراطيات (RAFD): الذي قاد النضال في مواجهة الإرهاب السياسي في التسعينيات.10

  3. المنظمات الحديثة والمنصات النقدية: مثل مؤسسة الجريدة النسوية الجزائرية، التي تدفع بقوة نحو إلغاء قانون الأسرة والمطالبة بقوانين مدنية متساوية، ودعت إلى "عقد مؤتمر تأسيسي" يشارك فيه المجتمع المدني والمشرعون لصياغة قوانين جديدة تحترم المساواة والكرامة.12

كما ظهرت مبادرات مهمة للنضال على المستوى المعرفي والذاكرة، مثل مشروع "أرشيف نضالات النساء في الجزائر"، الذي تأسس في عام 2019 بقيادة الباحثتين سعدية قاسم وأول حواتي. يهدف هذا المشروع إلى توثيق وحفظ تاريخ الحركة النسوية المعاصرة منذ عام 1962، وخاصة الوثائق التي أنتجتها الجمعيات النسوية خلال الفترة الغزيرة بالإنتاج ما بين 1988 و 1993.17 إن السعي لتوثيق هذا الأرشيف يمثل إدراكاً لأهمية النضال المعرفي ضد محاولات إخفاء أو تهميش تاريخ الحركة النسوية ضمن السردية الوطنية الرسمية.


الخلاصة والتوصيات


تؤكد هذه الدراسة أن الحركة النسوية في الجزائر سلكت مساراً معقداً، تحولت فيه من قوة وطنية مجهّزة بالوعي الإصلاحي والثوري إلى حركة اجتماعية ديمقراطية تكافح ضد التمييز القانوني والاجتماعي. وتمثلت نقطة التحول الرئيسية في الصراع على قانون الأسرة 1984، الذي كشف التناقض بين صورة المرأة المجاهدة في الخطاب الوطني وواقعها المقيّد في المجال الخاص. ورغم التحديات المتمثلة في العقلية السائدة وتحيز سوق العمل، فقد أثبتت الحركة النسوية أنها طليعة الحركة المدنية في الجزائر، لا سيما خلال العشرية السوداء.


توصيات سياساتية وتشريعية لتعزيز المساواة الجندرية


استناداً إلى تحليل التحديات القائمة ومفارقة التمكين الكمّي، يوصي التحليل بتبني الإجراءات التالية لضمان تحويل المكاسب المحققة في المجال العام إلى مساواة هيكلية:

  1. المراجعة التشريعية الجذرية: المطالبة بإلغاء شامل لقانون الأسرة 1984، أو تعديله جذرياً، لضمان تبني قوانين مدنية متساوية في مجالات الزواج، الطلاق، الحضانة، الولاية، والميراث، بما يتفق مع التزامات الجزائر الدستورية والدولية.12

  2. معالجة التحيز الاقتصادي: وضع سياسات اقتصادية تعالج تحيز طلب سوق العمل ضد النساء المتعلمات، من خلال تشجيع توظيف الإناث في القطاع الخاص، وتطبيق آليات شفافة لضمان المساواة في الأجور والترقية، ومعالجة أسباب تفضيل النساء للقطاع العام، والتي قد تكون مرتبطة بغياب الأمان في القطاع الخاص.13

  3. تعزيز التمثيل النوعي في القيادة: تجاوز المكاسب الكمية في المجالس المنتخبة إلى تعزيز وصول المرأة إلى المناصب القيادية العليا (الوزارات، ورئاسة الأحزاب، ومراكز صنع القرار الاقتصادي)، ومواجهة العقلية التقليدية التي تقصي المرأة من هذه الأدوار.16

  4. دعم النضال المعرفي والتوثيقي: تقديم الدعم اللازم للمبادرات المدنية المستقلة مثل "أرشيف نضالات النساء في الجزائر" لضمان حفظ الذاكرة النسوية وتوفير المصادر اللازمة للأجيال الجديدة من الباحثين والناشطين.17

المصادر التي تم الاقتباس منها

  1. Türkiye İlahiyat Araştırmaları Dergisi » Makale » الحركة النسوية (الجندر) قراءة في نشأتها التاريخية وموقفها من القيم والفطرة والأديان "دراسة تحليلية وصفية" - DergiPark, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://dergipark.org.tr/tr/pub/tiad/issue/92223/1550279

  2. النشاط الجمعوي النسوي في الحركة الوطنية الجزائرية | مجلة العلوم ..., تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://crsic.dz/ojsre/index.php/rsic/article/view/482

  3. Women in the Algerian War, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://en.wikipedia.org/wiki/Women_in_the_Algerian_War

  4. المرأة الجزائرية فترة الاستعمار الفرنسي: من الجهود الإصلاحية للعمل المسلح - revue Aleph, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://aleph.edinum.org/7436?lang=fr

  5. شريط وثائقي بعنوان"دور المرأة في الثورة التحريرية"(الجزء الأول)، إنتاج وزارة المجاهدين, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://www.youtube.com/watch?v=_b19g3GsyNs

  6. جميلة بوحيرد... رمز النضال الثوري الجزائري - JINHAGENCY, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://jinhaagency.com/ar/alqaymt-alywmyt/jmylt-bwhyrd-rmz-alndal-althwry-aljzayry-31814

  7. حسيبة بن بو علي.. أصغر أيقونات الثورة الجزائرية - الميادين, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://www.almayadeen.net/news/politics/1493598/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D8%A8%D8%A9-%D8%A8%D9%86-%D8%A8%D9%88-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A3%D8%B5%D8%BA%D8%B1-%D8%A3%D9%8A%D9%82%D9%88%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D9%8A%D8%A9

  8. زهرة ظريف.. "مذكرات امرأة مناضلة" من حرب التحرير الجزائرية - العربي الجديد, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://www.alaraby.co.uk/%D8%B2%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D9%81-%22%D9%85%D8%B0%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B6%D9%84%D8%A9%22-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D9%8A%D8%A9

  9. أشهر 5 خنساوات في تاريخ الثورة الجزائرية | فقدوا أبنائهم بالزغاريد - YouTube, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://www.youtube.com/watch?v=PuDZg4cZ_TU

  10. Evolution of the Women's Movement in Contemporary ... - unu-wider, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://www.wider.unu.edu/sites/default/files/WP124.pdf

  11. - ١٩٩٩ ) ﻣﺷﺎرﮐﺔ اﻟﻣرأة ﻓﻲ اﻟﻌﻣل اﻟﺳﯾﺎﺳﻲ ﻓﻲ اﻟﺟزاﺋر ﻓﻲ ﻋﮭد, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://iasj.rdd.edu.iq/journals/uploads/2024/12/12/6fa6485374650afdb18e0c930759f917.pdf

  12. 40 سنة على قانون الأسرة الجزائري.. ظلم تاريخي ونضال نسوي مستمر, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://www.sharikawalaken.media/2024/06/10/40-%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D9%8A-%D8%B8%D9%84%D9%85-%D8%AA%D8%A7%D8%B1/

  13. دور التعليم في التمكين الاقتصادي للمرأة الجزائرية بسوق العمل ..., تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://asjp.cerist.dz/en/article/273260

  14. Algeria - Country Fact Sheet | UN Women Data Hub, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://data.unwomen.org/country/algeria

  15. ترقية الحقوق السياسية للمرأة في الجزائر: بين النصوص القانونية والمما, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://www.interieur.gov.dz/images/promotion-des-droits-politique-de-la-femme.pdf

  16. المرأة الجزائرية .. تاريخ طويل من الكفاح والمشاركة الفعالة في الحياة النضالية | حصة مغاربية, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://www.youtube.com/watch?v=xHXlbwGtZAg

  17. أرشيف نضالات النساء في الجزائر - ويكيبيديا, تم الوصول بتاريخ ‎نوفمبر 4, 2025، https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%81_%D9%86%D8%B6%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1

إرسال تعليق

0 تعليقات